آخر المنشورات

الاتحاد الفرنسي و العنصرية


الاتحاد الفرنسي لكرة القدم

مقال لرأي اليوم:

يواجه اتحاد كرة القدم الفرنسي اتهامات متصاعدة بالتمييز العرقي ضد اللاعبين من اصول مغاربية بالنظر الى استثناء لاعبين نجوم من المنتخب الوطني الفرنسي من صفوفه، مثل لاعب ريال مدريد كريم بنزيمة، الذي يعد واحدا من افضل المهاجمين في العالم، وحاتم بن عرفة نجم خط وسط نادي نيس الفرنسي، الذي كان هداف الموسم ويسعى نادي برشلونة الاسباني لضمه الى صفوفه.

الكوميدي والممثل الفرنسي المغربي جمال دبوز، كان أول من أثار حالة من الجدل حول هذه المسألة، عندما أدلى بتصريحات لمجلة فرنسية اتهم فيها القائمين على المنتخب الوطني الفرنسي باستبعاد اللاعبين من اصول شمال افريقيا من تشكيلة المنتخب، موحيا بأن الأسباب عنصرية، ووصلت حالة الجدل هذه الى ذروتها عندما دخل النجم الفرنسي العالمي ايريك كانتونا الى الحلبة، واتهم ديديه دي تشامب المدير الفني للمنتخب الفرنسي بأنه استبعد اثنين من ابرز لاعبي فرنسا لانهما من اصول تنتمي لدول الاتحاد المغاربي، فرد الاخير بأنه سيقاضيه بتهمة تشويه السمعة، الأمر الذي صب المزيد من الزيت على نار هذه الأزمة الكروية التي تتحول سريعا الى سياسية واجتماعية.

الاتهام بالعنصرية ربما يصعب اثباته، لأن الفريق الفرنسي من أكثر المنتخبات الكروية الأوروبية تنوعا عرقيا، ويضم 13 لاعبا من أصل 23 لاعبا من اصول غير فرنسية بيضاء، ولكن يمكن ان يجادل البعض بأن هذا المنتخب استثنى اللاعبين المسلمين فعلا لاسباب عنصرية، واضطر الى ضم اللاعب عادل رامي من اصول مغربية في اللحظة الاخيرة بسبب الاصابات، وربما للرد على الانتقادات، ونفيها بطريقة عملية درءا للشبهات.

صحيح ان بنزيمة يواجه تهما قضائية بالابتزاز، ولكنها لم يتم اثباتها بعد، واللاعب يقول انها ملفقة، واذا افترضنا ان هذه الخطوة مبررة، فكيف يتم استبعاد بن عرفة التونسي الاصل الذي يعتبر من احسن ثلاثة لاعبين في الدوري الفرنسي الماضي؟

كرة القدم ومبارياتها تحظى بشعبية كبيرة في اوساط ابناء الجالية الاسلامية من اصول مغاربية في ضواحي باريس المهمشة والفقيرة، حين تتصاعد حالة التوتر والغضب منذ تفجيرات باريس في تشرين الاول (اكتوبر) الماضي، وتفجيرات بروكسل التي نفذها عناصر تردد انها تعتنق فكر تنظيمي “الدولة الاسلامية” و”القاعدة”، وادت الى وفاة اكثر من 150 شخصا واصابة المئات، حيث تعرضت هذه الجاليات لمداهمات امنية، واستفزازات شتى من احزاب اليمين العنصرية المتطرفة.

تصاعد الاتهامات بالتمييز والاقصاء للاعبين من اصول مغاربية، ربما يؤدي الى اشعال احداث شغب ومظاهرات احتجاجية، مضافا الى ذلك ان مثل هذه الاتهامات ستؤثر سلبا على معنويات المنتخب الفرنسي وادائه اثناء مشاركته في مباريات الدورة الكروية الاوروبية التي ستبدأ بعد اسبوع تقريبا على الارض الفرنسية.

اللافت أيضا أن هذا الجدل يتصاعد في وقت تصدر فيه دول مثل الولايات المتحدة تحذيرات الى رعاياها باتخاذ اجراءات امنية وقائية، واتباع كل وسائل الحذر اثناء السفر الى اوروبا تحسبا لحدوث هجمات ارهابية، كما تحدثت صحف عديدة في اوروبا عن احتمالات تعرض مباريات في هذه المسابقة لتلك الهجمات، واصابع الاتهام تشير في هذا الاتجاه الى عناصر اسلامية متشددة، على غرار ما حدث في باريس نفسها وبروكسل.

لا يخامرنا أدنى شك بأن اختيار اللاعبين للمشاركة في منتخبات بلادهم في الفرق الاوروبية يتم وقفا للاعتبارات الرياضية اولا، وادائهم الفني على ارض الملعب، ووفق المنافسة الافضلية وخطط اللعب التي يضعها المدرب وجهازه الكروي، ولكن يتم كسر هذه القاعدة في بعض الاحيان لاسباب قد يصعب تفسيرها، وحتى ناهيك عن القبول بها.

فمدرب المنتخب الفرنسي دو تشامب استبعد اللاعب سمير نصري من فريقه، رغم انه كان من افضل اللاعبين في الدوري الانكليزي، حيث يلعب مع فريق مانشتسر ستي الذي فاز بالبطولة اكثر من مرة، وكان هذا الاستبعاد موضع الكثير من علامات الاستفهام، وتأكدت هذه العلامات الاستفهامية بعد استبعاد اللاعبين بن زيمة وبن عرفة، وهما من افضل اللاعبين في العالم.

ربما يكون المدرب دو تشامب حقق لبلاده انجازا كبيرا بفوزه كلاعب بكأس العالم عام 1998، وبطولة اوروبا عام 2000، ولكن حتى ينجح كمدرب عليه ان يبتعد عن اي شبهة عنصرية في اختياره لاعبين في الفريق الذي يدربه ويديره، واستبعاد لاعبين كبيرين وعالميين، مثل بنزيمة وبن عرفة، قد يجعل مهمته بتحقيق تقدم في المسابقة الاوروبية الكروية صعبة جدا ومحفوفة بالمخاطر، لتداعياتها السلبية التي بدأنا نراها قبل ان تبدأ المباريات.

الرياضة، ومثلما هو معروف عالميا، يجب ان تكون فوق كل الشبهات العنصرية، وان تتسامى عليها، من خلال تحقيق المساواة، وضرب المثل في التعايش والتقارب، وتقديم النموذج للاجيال الشابة والقادمة، ولا نعتقد ان اللغط الحالي الدائر حول العنصرية الكروية في فرنسا يصب في هذا الاطار.

تصرف المدرب الفرنسي دي تشامب، وايا كانت دوافعه، سينعكس سلبا على فرنسا، ووضعها الامني الذي يتسم بالهشاشة، وسيخلق شرخا بين مواطنيها البيض ونظرائهم من القادمين من العالم الثالث، والاتحاد المغاربي على وجه الخصوص، في وقت تتصاعد فيه “الاسلاموفوبيا” بسبب احتلال مسألة الهجرة قمة اجندات اليمين العنصري المتطرف.

اذا صحت الاتهامات بالعنصرية او “الاسلاموفوبية” الموجهة الى مدرب المنتخب الفرنسي، فان هذا سيدفع العديد من اللاعبين في اوروبا من المسلمين، الى تفضيل اللعب في بلدانهم الاصلية على اللعب في المنتخبات الاوروبية.

اللاعب رياض محرز، الجزائري الاصل، الذي قاد فريقه ليستر سيتي المغمور الى بطولة انكلترا ربما كان مصيبا، وهو المتواضع واللاعب المثالي خلقا واداء، عندما اختار ان يلعب للمنتخب الجزائري، مضحيا بامتيازات مالية عديدة، كان يمكن ان يحصل عليها لو لعب للمنتخب البلجيكي مثلا.

فرنسا فازت بكأس العالم لانها تسامت على الاعتبارات العنصرية، واستعانت بلاعبين من اصول افريقية وعالمثالثية، وابرزهم الرائع زين الدين زيدان الذي قاد فريق ريال مدريد كمدرب، وقبل اسبوع فقط الى الفوز ببطولة كأس اوروبا للاندية الابطال، انه والكثيرون من امثاله قدموا القدوة الرياضية والاخلاقية، وكانوا سفراء فوق العادة للتعايش والامتزاج الحضاري، واي خروج عن هذه القاعدة، وأيا كانت الاسباب، ستلحق ضررا كبيرا بفرنسا وقيم تسامحها وتعايشها.

 

تعليقك يهمنا اترك لنا كلمات و شكرا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: